وهم الاعجاز البلاغي في القرآن


 ردا على حجية الإعجاز البلاغي في القرآن :
أما القول بأن وجه الإعجاز فيه: النّظم المخصوص، والوزن المخالف لأوزان العرب؛ فهو ممتنع لوجهين:-
الأول: أنّا لا نسلم مخالفة وزنه لسائر أوزان العرب. فإنّ كثيرا من آياته على وزن أبيات العرب منها قوله- تعالى:- ومَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ  ومنها قوله- سبحانه وتعالى:- سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ . ومنها قوله- تعالى- ومَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ٢ ويَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ. ومنها قوله- تعالى:- ولَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ .وهذه كلها كلمات موزونة/ من غير تغيير. ومنها قوله- تعالى:- ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ «٥». وهو موزون بشرط الإشباع فى كسرة الميم من ويخزهم. ومنه قوله- تعالى:- أَ رَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ١ فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ . فإنه إذا حذف منه اللّام من فذلك كان موزونا. إلى غير ذلك من الآيات التى لو تتبعها المتتبعون ولا سيما إذا غيرت أدنى تغيير بحذف، أو إشباع؛ لوجد من ذلك شيئا كثيرا. 
الثانى: وإن سلمنا مخالفة وزنه لسائر الأوزان؛ فيمتنع أن يكون ذلك بمجرده معجزا، وإلا كان ما أتى به مسيلمة . وغيره على ما يأتى معجزا؛ إذ هو على وزنه، أو أن لا يكون وزن القرآن معجزا.
وأما القول بأن وجه الإعجاز من القرآن مجرد ما فيه من البلاغة فباطل من خمسة أوجه:
الأول: أنّا إذا نظرنا إلى أبلغ خطب الخطباء، وأجزل قصيدة للشعراء، وقطعنا النظر عن الوزن، والنّظم المخصوص، وقسناه بقصار سور القرآن، كان الأمر فى التّفاوت ملتبسا على البلغاء، وربّما كان الراجح فى نظره معارضتها، والمعجز لا بد أن يكون التّفاوت بينه، وبين غيره قد انتهى إلى حد ينتفى معه الشّك، والرّيبة فى التباسه بغيره.
الثانى: هو أن كلام القرآن غير خارج عن كلام العرب، وما من أحد من بلغاء العرب إلا وقد كان عالما بمفردات الكلمات، وعالما بجهة تراكيبها، وكان مقدورا له الإتيان بالكلمة، والكلمات والآية والآيات. ومن كان قادرا على ذلك؛ كان قادرا على الكلّ.
الثالث: أنّ الصّحابة اختلفوا فى بعض السور، والآيات أنّها من القرآن. ولو كانت بلاغتها بالنّسبة إلى غيرها منتهية إلى حد الإعجاز؛ لعرفوها، ولم يختلفوا فيها.
الرابع: أن الصّحابة عند جمع القرآن كان إذا أتى الواحد منهم بآية أو آيات. ولم يكن مشهورا بالعدالة لا يضعونها فى المصحف إلا ببيّنة، ولو كانت بلاغتها منتهية إلى حدّ الإعجاز؛ لعرفوها بذلك ولم يعتبروا فى وضعها فى المصحف عدالة الرّاوى لها.
الخامس: أنّه وإن تميّز بنوع بلاغة على من فى عصره، غير أن ذلك ممّا لا يدل على الإعجاز، والدّلالة على صدق مدّعى النبوّة، إذ التفاوت فى ذلك فيما بين النّاس واقع لا محالة وليس له حد توقف عنده، إذ ما من فصيح إلا ولعلّ غيره أفصح منه، ولا يمتنع أن تنتهى البلاغة، والفصاحة فى كل عصر إلى فصيح لا أفصح منه فى زمانه، وذلك غير موجب للإعجاز، ولا للدلالة // على صدق مدّعى النّبوة؛ لجواز أن يكون ذلك الشخص هو الّذي انتهت الفصاحة إليه فى زمانه. بحيث يكون لا أفصح منه فى ذلك العصر. 


فؤاد نوستيك

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

القرآن يشهد بـ صحة الإنجيل والتوراة

حجج إثبات وجود اله