وهم الجنة

 


عندما يتحاور الإنسان مع شخص مؤمن فهو عادة يؤكد ان معتقده قائم على العقل وان هذا الدين صادر عن خالق يفترض انه خالق العقل نفسه وبالتالي فمن المتوقع ان يكون هذا الدين في أعلى درجات الاتساق العقلي وانه عند دراسته سيجد الإنسان ما يدفعه للإيمان به لكن عند محاولة إخضاع أبسط المفاهيم الدينية للتفكير العقلي تظهر هذه الأفكار وكأنها أبعد ما تكون عن المنطق ومن الأمثلة المطروحة فكرة الجنة فكل الديانات التقليدية تتحدث عن الجنة وعن حياة لا تنتهي وتطرح الخلود فيها كغاية لمن يتبع تعاليمها لكنها عند التحليل العقلي تثير مشكلات عديدة وتفتح بابا من الأسئلة

فالسؤال الأول هل سيكون للإنسان في الجنة عقل فإذا افترضنا وجود العقل فمن الطبيعي ان يوجد تفاوت في القدرات الذهنية بين الأفراد فيكون هناك من هو أقدر على التفكير ومن هو أقل وهذا يعني إمكان وقوع الخطأ لأن الخطأ من صفات العقل البشري فيطرح البعض إمكانية تكرار خطأ آدم وإذا قيل إن خطأ آدم كان بسبب إبليس فمن الذي جعل إبليس نفسه يخطئ وهو مخلوق لم يسبقه إبليس آخر ثم ان وجود الإنس والجن معا قد يعيد احتمال الخطأ مرة أخرى كما ان الجنة حسب التصور الديني ليست مكانا بلا نظام بل هي درجات وترتيبات تحدد لكل فرد وما يلزمه من مقام وهو ما يظهر في الحديث الذي يذكر أدنى أهل الجنة منزلة وسؤاله عن نصيبه ورضاه به مما يشير الى عملية تفكير واختيار وقرار لدى الإنسان هناك

ومن هنا يثار تصور ان وجود عقل يفكر في بيئة فيها تفاوت في المراتب قد يؤدي الى التذمر او الرفض كما حدث مع إبليس حينما رفض أمرا إلهيا وفي المقابل اذا قيل ان العقل هناك موجود لكنه ليس كالعقل البشري بل شيء مختلف اقرب الى كيان مبرمج لا يخرج عن مساره فمعنى ذلك ان الإنسان يصبح اشبه بكائن محدود الإرادة مثل آلة تنفذ فقط ما يحدد لها وحينها يسقط الادعاء بأن الجنة مكان تتحقق فيه كل الرغبات لأن ذلك يتعارض مع مفهوم العقل الموجّه الذي لا يطلب شيئا من ذاته كما هو حال الملائكة التي تقوم بما تؤمر به ولا تتجاوز حدود ما وضعت له

الخمر هي كل شراب يسبب الإسكار سواء كان من عصير العنب او غيره ويطلق عليها هذا الاسم لأنها تغطي قدرة الإنسان على التفكير ويقال إن سبب التسمية يرجع الى انها تترك حتى تختمر فيتغير ريحها كما يقال ايضا انها سميت خمر لأنها تخامر العقل اي تغطيه وتؤثر عليه

ما فائدة الخمر في الجنّة؟

عندما يعد الله المؤمنين بخمرٍ في الجنّة، فهو يقصد الخمر المحرّم في الدّنيا لكن هذا شيءٌ غير منطقي، ففي الجنّة لن يغيب عقلك ولن تصاب بما يحدث لشارب الخمر في الدّنيا، فمن الواضح أنّ الله أراد أن يغري المؤمنين به لكنه لم يتطرق لهذه الإشكالية، لكننا نجد المؤمن لكي يغطّي على هذا الخطأ الفادح يقول: إنّ خمر الجنة غير خمر الدنيا، وهو لا يسكر، فبذلك يقع في خطأ آخر، عندها لن يكون خمرًا بل مجرد عصير؛ لأنّ الخمر لا يكون خمرًا عندما يفقد إحدى صفاته، فعندما أصنع عصير العنب دون أن يتخمّر، ويكون سببًا في غطاء العقل سيكون من الخطأ أن أطلق عليه اسم (خمر) فهو مجرّد عصيرٍ لا يختلف عن غيره من العصائر الأخرى، فعندما يحرّم الله خمر الدنيا ويعدنا به في الجنّة فهو بالطّبع يقصد نفس الخمر الذي حرمنا منه في الدنيا، فعندما أعِد شخصًا ظمآنًا أنّي سأعطيه ماءً ليشرب، ثمّ أعطيه مياهًا غازيةً ليشرب، وأقول له إنّها أفضل من المياه الأخرى فهذا خطأٌ في الفهم وتلاعبٌ بالمعنى، فعندما يقول الله (خمر)، و يكون غير خمر الدنيا، فالله هنا أخطأ في استخدام الكلّمة المناسبة لتصف ذلك وتلاعب بنا، و عند ذهابك للجنّة وشربك من هذا الخمر، ومهما تشرب دون أن تتغير عقليًا أو تشعر بلذة السّكر، فهو ليس خمرًا بل مجرّد عصيرٍ فقط، والله أخطأ في الوصف.

الغريزة هي ميل طبيعي يولد مع الكائن الحي ويجعله يتجه نحو افعال تشبع احتياجاته الاساسية وهي صفة يشترك فيها جميع افراد النوع الواحد مثل الميل الجنسي او الحاجة الى البحث عن الطعام كما ان السلوك الناتج عن الغريزة يمكن ان يتغير ويتطور بفعل الخبرة والتعلم وفي الدراسات الحديثة يتم استخدام كلمة دافع للتعبير عن هذا المعنى

ما جدوى وجود الغرائز في الجنة؟

ما جدوى وجود الغرائز في الجنة
في الحياة الدنيوية تؤدي الغرائز ادوارا اساسية ترتبط ببقاء الانسان واستمرار حياته فالغريزة الجنسية مثلا هي التي تحقق التكاثر ولولاها لانتهى الوجود البشري ولذلك عندما يتخيل الانسان انتقال هذه الغريزة الى الجنة يظهر تساؤل حول الهدف منها هناك فوجودها قد يعني ان التكاثر سيستمر في ذلك العالم وان بعض الاشخاص ستكون لديهم قدرة جنسية اعلى من غيرهم مع ما يرافق ذلك من تعب وعرق وحاجة للراحة بعد الانتهاء كما قد يبقى التفاوت في نظرة الانسان للنساء بين من يراها اجمل ومن يراها اقل جمالا مما يجعل المرأة في هذا التصور مجرد وسيلة لاشباع الرغبة لا تختلف عن صورتها في الدنيا

وينطبق الامر ذاته على غريزة الجوع ففي الدنيا هي التي تدفع الانسان للاكل حتى لا يهلك فان قيل ان الانسان سيشعر بالجوع في الجنة يظهر السؤال حول سبب وجود هذه الغريزة خاصة انه لن يموت هناك سواء اكل ام لم يأكل وهل سيشعر بالشبع وهل سيكون هناك هضم او اخراج كما يحدث في الحياة الحالية

وكذلك غريزة العطش ففي الدنيا وُجدت ليشرب الانسان ويحافظ على جسده من الضرر لكن اذا لم يكن هناك موت في الجنة فلماذا سيشعر الانسان بالعطش من الاساس

ويرى اصحاب هذا الطرح ان لذة اشباع الغريزة تأتي من الشعور بالنقص قبل الاشباع فالوجبة تكون اكثر متعة عندما يتناولها الانسان وهو جائع لا عندما يأكل دون حاجة ولذلك يتساءلون عن معنى استمرار الغرائز في عالم لا تعتمد فيه الحياة على هذه الدوافع ولا تتوقف عليه


الشخصية يمكن النظر اليها بوصفها المزيج الخاص بكل فرد من طرق التفكير ومظاهر السلوك واسلوب اتخاذ القرارات وما يحمله داخله من مشاعر ثابتة تميزه عن غيره وتجعله فردا مختلفا له طابع خاص

هل ستذهب كما أنت وبنفس شخصيتك في الدنيا؟

عندما تقول إنك ستدخل الجنة كما كنت في الدنيا وبنفس صفاتك فسيظل هناك من هو أفضل من الآخر وسيكون هناك أعمى وعاجز وضعيف جنسي ومعاق ذهنيا وسيكون هناك من هو أبيض وسود ومن هو أجمل من الآخر وهذا ما تنفيه الأديان فهي تقول إنك لن تدخل بنفس شخصك بل ستكون خاليا من العيوب فإذا كنت أعمى أو مصاب بتشوه ستدخل الجنة بدون هذه العيوب وستكون شخصا جميلا وهذا يجعلك شخصا مختلفا كل شخص يتكون من مميزات وعيوب ولا يوجد شخص كامل وهذا ما يجعل الأشخاص مختلفين عن بعضهم فعندما تقول إنك ستدخل بلا هذه العيوب فهذا يعني أن أهل الجنة جميعهم متشابهون ولا يوجد اختلاف بينهم وهذا يجعلهم ليسوا كما كانوا في الدنيا فنجد أن جميع أهل الجنة سيكونون في مرحلة الشباب وهذا ما يوضحه الحديث عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يدخل أهل الجنة جردا مردا مكحلين أبناء ثلاثين أو ثلاث وثلاثين سنة

وفي حديث آخر أتت عجوز إلى النبي فقالت يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة فقال لها يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز فابتعدت تبكي فقال رسول الله أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز إن الله يقول انشأناه إنشاء فجعلناهن أبكار عُرُبا أترابا

وحديث آخر يؤكد أن أهل الجنة سيكونون على صورة آدم سيدخل أهل الجنة بأكمل صورة وأجملها على صورة أبيهم آدم عليه السلام وقد خلقه الله بيده فأتم خلقه وأحسن تصويره وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا وكل من يدخل الجنة على صورة آدم وطوله ستون ذراعا

وهذا ما تتفق عليه تقريبا كل الأديان فكل أهل الجنة سيكونون في مرحلة الشباب لكن لم يذكر أحد الأطفال فيبدو أن مصطلح الجنة موجه لإغراء الكبار فنجد الكهل سيذهب شابا فلا توجد شيخوخة هناك وهذا شيء مناف للعقل والمنطق ما يميز الأشخاص في الدنيا هو اختلاف طباعهم وأعمارهم فعندما تقول إنك في الجنة ستجد جدك وجدتك ووالديك وإخوتك وأصدقائك جميعهم في نفس العمر كلنا شباب ولا يوجد اختلاف في الصفات فما كان يميزهم عن بعضهم ذهب لن يكونوا نفس الأشخاص الذين عرفتهم في الدنيا بل هم أشخاص آخرون معدلون لا يوجد ما يميزهم عن بعضهم والشخص المعاق ذهنيا عندما يدخل مع شخص سليم ومعافى لن يكون نفس الشخص الذي كان في الدنيا وهذا يؤكد أن من يدخل الجنة سيكون شخصا آخر مختلفا جسديا وشخصيا

هل ستتحقق كل أماني وطلبات أهل الجنة؟

كل المؤمنين يقرون أن الجنة فيها كل شيء وأن أي طلب ستطرحه سيتحقق فالاختبار انتهى وأنت الآن في الجنة ولا شيء محرم لذلك يحق لك أن تطلب أي شيء وسيحققه الله

وهذا ما توضحه هذه الآيات

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾

ويوجد الكثير من الآيات والأحاديث التي تؤكد أن أماني وطلبات أهل الجنة مستجابة لكن ماذا لو كنت أنا وزوجتي في الدنيا لا ننجب وطلبنا ولدا من الله فهل سيجعل زوجتي تحمل وتنجب وسينمو الولد مع الوقت وسنعلمه ونزوجه ونفرح به مثل الدنيا وماذا لو دخل أحد أقاربي النار وطلبت من الله أن يدخل الجنة فهل سيرفض الله رغم أنه وعد بتحقيق كل أماني أهل الجنة ولو كان في الجنة أشخاص سود فهل سيكون لهم طقس حار لأنهم يفضلونه لكن يبدو أن الله نسي هذه المسألة فقال عن جو الجنة

﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾

وقال عن وصف الحور

﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾

وقال أيضا

﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾

وهذه الأوصاف يعشقها الرجل الأبيض لكن هل سيجعل الله في الجنة حورا مختلفين بهذا الوصف بشرتهم سوداء للرجل الأسود لكن بما أن الجنة دار النعيم وسيتحقق لي كل ما أطلبه فأنا الآن في الدنيا كنت أتمنى زيارة بعض الدول فهل سيجعلني الله أزورها بعد أن أموت وماذا لو طلبت من الله شبكة إنترنت فائقة السرعة أو هاتف جوال أو سيارة أو طائرة سيجدها شيء غير منطقي لكن رغم ذلك نجد التناقض الفادح فالله يعد بتحقيق كل الأماني ومع ذلك يقول إن الجنة ستكون على درجات سيكون هناك من هو أفضل من الآخر ومن ستتحقق له طلبات أكثر من الآخر فلو حدد لي الله زوجتين فقط في الجنة أو اختار أن يكون لي قصر واحد فقط وطلبت أكثر من ذلك فرفض الله عندها لن تكون كل أماني أهل الجنة مجابة كما يقول أصحاب الأديان وإذا وافق الله عندئذ لن تكون هناك درجات في الجنة كما يقولون أيضا وهذا تناقض لا يقع فيه إله بالطبع

هل ستكون الجنة دار نعيم أبدي أم جحيما أبديا؟

يؤمن أتباع الأديان أن الجنة موضع راحة وسرور لا يوجد فيها شقاء ولا حزن وكل ما فيها يبدو مثاليًا لكن لم يخطر في بالهم ولو مرة أن يتساءلوا ما السبب الحقيقي لجمال الحياة ولماذا نتمسك بها بهذا الشكل

الذي يجعل وجودنا في الدنيا له قيمة هو معرفتنا أنها حياة مؤقتة وأن كل يوم يمكن أن يكون آخر يوم نعيشه ولهذا نتعلق بما فيها لكن لو صارت الحياة بلا نهاية لتحولت إلى عبء لا يطاق فمثلًا لو منحتك قصرا فيه كل ما يسر النفس ثم حبستك داخله فستفرح في البداية ثم يبدأ إحساس اللذة بالانخفاض ومع مرور مئة سنة ستدخل مرحلة الملل وبعد آلاف السنين سيصبح القصر نفسه نقمة وتتمنى أن تنتهي حياتك رغم أن المكان مليء بكل المتع وهكذا يمكن أن تكون الجنة مهما كانت مغرية فالإحساس الأول فقط هو الممتع وبعده يتلاشى ببطء أنا مثلا أحب كرة القدم لكن مع تكرار مشاهدة المباراة أفقد أي رغبة فيها وكذلك الحال مع الكمبيوتر والإنترنت في أول مرة شعرت أنهما شيء لا أستغني عنه لكن بعد وقت صار الأمر عاديًا بل مملًا والهاتف منذ عام كنت أرى أنه شيء رائع والآن بدأ يضجرني وهذا جزء من طبيعة الإنسان فلو تغيرت هذه الطبيعة ما كنا سنعرف الفرق بين المتعة وفقدانها وما كانت الأشياء ستتفاوت في وقعها علينا سيقول البعض إن الجنة فيها ما يفوق إدراك البشر لكن لو رأيت جهازًا عبقريًا أول مرة ستنبهر به ثم بعد سنوات طويلة من استخدامه يختفي ذلك الانبهار وربما تكسره رغم أنه كان بالنسبة لك شيئًا هائلًا في البداية تخيل أنك في الجنة تعرف مسبقا أنها أبدية وأنك ستكرر نفس أفعالك لأزمنة لا نهاية لها حتى لو كانت ممتعة في ظاهرها فسوف تصبح مرهقة ومع الوقت ستتمنى الموت ولو كان الإنسان في الجنة سيصل لهذه المرحلة فما بالك لو جعله الله بلا إحساس حتى لا يمل فتصبح الجنة مجرد وجود جامد بلا شعور

وما ذكرته هنا مجرد جزء صغير من تساؤلات كثيرة تخص فكرة الجنة ومع ذلك لو حاولت الإجابة بنعم على هذه الأسئلة ستقع في تناقض ولو أجبت بلا ستقع في تناقض آخر وغالب من تناقشت معهم يهربون بعبارة أن هذه أمور فوق قدرة العقل وأن الله وحده يعلم لكنها مغالطة لأنك تقول إن العقل من خلق الله وأن الدين موافق للعقل وأنه لا يحتوي ما يناقضه والحديث عن الجنة يفترض أنه صادر عن خالق يعلم حدود العقل البشري فلا يقدم وصفا يعارضه لكن الذي يبدو الآن أن هذا التصور من صنع إنسان أراد أن يغري غيره فكلما ضخّم الصورة زاد عدد من ينجذبون إليه ولم يأت بوصف يثبت أن الكلام من عند خالق يعلم ما لا يعلمه البشر بل وصف بسيط يناسب خيال الناس في ذلك الوقت عن الطعام والشراب والخمر والجنس وهي أمور لا تكفي لإقناع طفل لكنك وُلدت على معتقد أهلك ولم تتوقف لحظة لتراجع هذه الأفكار كل ما تربيت عليه مجموعة أوامر ونواه وأن من يطيع سيأخذ مكافأة اسمها الخلود دون أن تفكر في معنى الخلود أصلا لأن الإنسان بطبعه يخاف الموت ويحاول الهروب من النهاية ولذلك نشأت فكرة أن الدنيا مجرد عبور لحياة أخرى وأن الموت ليس موتا بل انتقال وهذه ليست فكرة جديدة تخص الأديان الإبراهيمية بل فكرة قديمة جدا ظهرت مع محاولة البشر البحث عن الخلود لأنهم لا يتحملون فقد من يحبون فظهرت مقولة لا موت بعد الموت وأننا سنرى من فارقونا مرة أخرى


لنتعرف على أولى الشعوب التي اكتشفت مصطلح الخلود:

البعث والخلود في الفكر المصري القديم

 اعتقد المصريون القدماء أن الإنسان سيبعث ثانية بعد موته ليحيا حياة الخلود، إذ تصعد روحه إلى السماء وصوروها على شكل طائر، وأن جسم الإنسان إذا ظل سليمًا بعد الدّفن عادت إليه الروح من السماء. فالموت في نظر المصرين القدماء لم يكن هو النهاية، فبعده يحيا الإنسان حياةً جديدة.

الزمن والأبدية في معتقدات المصري القديم 

لقد كان الزمن من وجهة نظر المصري القديم من الأشياء الغامضة، لكنه لم يقف ساكنًا، فقد حاول تحوير الأفكار أو الأشياء المبهمة إلى مظاهر حقيقية ملموسة، وقد استغرق تكوينه لتصوراته عن العالم المحيط به فترات ليست بالقليلة، ارتكزت فيها أفكاره على التأمل والملاحظة ومحاولات وضع التفاسير والحلول، واتسم ذلك بالترابط والمنطقية في كثير من الأحوال، وعندما فكر في الزمن بدأ ذهنه يذهب إلى الزوال، ومن خلال الزوال أدرك الخلود، حيث حاول أن يسهل على نفسه الأمر، فبدأ يستخدم الرموز كي يعبر بها عن فكرة معينة في رأسه لذا نجد الرّمز دائمًا يتخطى حاجزي الزمان والمكان، حيث إنه يحملنا إلى عالم آخر ذي مفاهيم ودلالات معينة لهذا نجد رموزا للموت وأخرى للميلاد، وهناك رموز للخير وأخرى للشر.

وبات المصري القديم يتصور الكون من خلال معبودات تتحكم فيه وتسيطر عليه، وأراد أن يبرّر أفعال وتصرفات المعبودات، فقال إنّهم يتصرفون من خلال قوةٍ غامضة تسمى Hka وتعني «السّحر»، وهذه الكلمة كانت في بادئ الأمر تفي بالغرض الذي تمناه المصري القديم وعاش حياته ينشده، وهو البعث والنّشور والحياة السّرمدية، حيث الزّمن الأبديّ غير المنقطع في الحياة الأخروية، لهذا تميزت الحضارة المصرية القديمة عن غيرها من الحضارات؛ لأنّها انفردت بثقافةٍ وقيمٍ حضاريةٍ وحظيت برموزٍ وعقائد فكريةٍ لم تتواجد في أيّة حضارةٍ أخرى.

البعث والخلود من خلال العقيدة الشّمسية 

 تجسدت دورة الزمن وفكرة الأبدية في اعتقاد المصري القديم أن المعبودة (نوت) كانت تلِد ربّ الشّمس يوميًا عند الفجر، فيبقى في السّماء حتى يحين وقت الغروب فتبتلعه، ليمر داخلها طوال ساعات الليل ثم تعود فتلده من جديد في فجر اليوم التالي، ويعتقد أن هذه الأسطورة أقدم من مذهب خلق الكون في أيونو، على اعتبار أن رب الشمس هو أول مظهر بزغ للوجود من العدم، وهو خالق الكون، ومن الملاحظ أن الحول دون تحقيق هذه الولادة لرب الشمس يوميا تعنى انقطاع أو توقف دورة الزمن على الأرض، وهذا ينبئ بنهاية العالم وتوقف مسيرة الحياة على الأرض، وكانت الشمس هي العامل المؤثر في عملية الخلق بعد الماء، حيث دون الشمس تختفي مظاهر الحياة، وقد اعتبر المصري القديم دورة الشمس يوميا من الشّرق للغرب بمثابة دورة للزمن، إذا توقفت توقّف الزمن، لهذا اهتم المصري القديم بالشمس ودورتها، وصوّرها على جانبي جبلين متلاصقين يمثّلان الأفق، أحدهما الجبل الغربي (غروب الشمس)، والآخر الجبل الشّرقي (شروق الشمس)

 وكان يُعتقد أنّ مصير المتوفى مماثلٌ لمصير ربّ الشّمس وكان يختفي معه في عالم الغرب، حيث كان يمرّ معه داخل جسد نوت ربة السّماء، ثمّ يبعث من جديدٍ في الجهة الشّرقية من السّماء، وهذا يمثل دورة الزّمن ومسيرته دون انقطاع، مثل مصير ربّ الشمس والمتوفى، وقد جسّدت المعبودة نوت في هذه الفكرة التّابوت كما ورد في متون الأهرام، ذلك لأنّ المتوفى داخل التّابوت يعتبر كما لو كان داخل رحمٍ أو جسد نوت التي سوف تُعيد ولادته ليعيش حياةً أبديةً مجيدة، وهذا يرمز لدورة الزّمن التي لابدّ لها من الاستمرارية؛ ليبقى الكون مستمرًا، وتبعًا لمتون الأهرام كان يعتقد أنّ الملك المتوفى بعد دفنه في الغرب كان يصعد إلى السماء، ليتحوّل إلى جسمٍ سماويٍّ أو نجم، ويُحتمل أنّ أقدم اعتقادٍ بالولادة الثّانية كان يتمّ في السماء، حيث يولد المتوفى على هيئة نجم، وهذا تعبيرٌ عن الأبدية والاستمرارية، فالنّجم يرمز لخلود الزّمن ودوامه، ومن المُعتقد أنّ سبب قلّة النّصوص التي أشارت إلى لحظة اختفاء الشمس أو ابتلاعها هو أنّ هذه اللّحظة تجسد الموت، وكان النّاس يخشون الحديث عن الموت؛ لذا تجنبوا وصف لحظة اختفاء الشّمس بالرّغم من اعتقادهم أنّها كانت بمثابة مرحلةٍ انتقالية، لهذا تجنّبت متون الأهرام وصف هذه اللحظة؛ لأنّ الموت يعتبر بمثابة انقطاعٍ لدورة الزّمن، وهذا يعني نهاية الحياة ونهاية العالم، إلّا أنّ في الدولة الحديثة بدأ الحديث عن الغرب، حيث اعتبروه رمزًا للحياة الأبدية.

البعث والخلود من خلال دورات النّيل [14]

تحكي الأسطورة أنّ الإله أوزيريس الذي هو إله الخصب، وهو إله مملكة الممات أيضًا أُعيد إلى الحياة بواسطة زوجته ايزيس. إنّ التأكيد على وجود الحياة الأخرى من معالم الحضارة المصرية القديمة، حيث تتمّ محاكمة الإنسان في العالم الآخر كما يظهر في المخطط أعلاه. هنا يظهر أوزيريس قاضيًا، وانوبس إله الموت يزن قلب الإنسان في الكفة الأخرى للعدالة توجد الإلهة معات، ويقوم الإله توت (إله القمر والحكمة) بتسجيل النّتيجة في نهاية المحكمة. وعلى الميت أن يقدّم اعترافًا وتبريرًا لما قام به من أفعالٍ في العالم الأرضي.

الخلود فى الأساطير السّومريّة

أسطورة دلمون 

 تبدأ الأسطورة عندما منحت الآلهة الخلود لرجل الطّوفان زيوسدرا Ziusddra مقابل إنقاذه نسل البشر من الفناء، قد أسكنته في بلدٍ على البحر، في الشّرق، في دلمون Dilmun، وهي أرضٌ مطهرةٌ مشرقة، وقد حباها إله المياه إنكي رعايته الخاصة، فجلب إليها المياه العذبة وجعل من آبارها العسرة مياها حلوة، ومن شواطئها موانئ عامرةً للبلاد. وأهمّ من هذا وذاك فقد كانت دلمون أرض السّلام والطّمأنينة وهي أرضٌ لا يعرف سكّانها المرض، حيث لا ينعق الغراب، ولا يرفرف طائر الموت، ولا تشتكي عجوزٌ من الشّيخوخة، ولا يشتكي إنسانٌ من المرض، لا يوجد في دلمون شيخوخةٌ، لا يوجد في دلمون أيّ مرضٍ، ولا يوجد في دلمون بغضاءٌ.

ملحمة جلجامش [16]

رحلة جلجامش في بحثه عن الخلود

 بعد موت أنكيدو يصاب جلجامش بحزنٍ شديدٍ على صديقه الحميم، حيث لا يريد أن يصدّق حقيقة موته فيرفض أن يقوم أحدٌ بدفن الجثة لمدّة أسبوعٍ إلى أن بدأت الدّيدان تخرج من جثة أنكيدو، فيقوم جلجامش بدفن أنكيدو بنفسه، لينطلق شاردًا في البرّية، خارج أورك وقد تخلّى عن ثيابه الفاخرة وارتدى جلود الحيوانات. بالإضافة إلى حزن جلجامش على موت صديقه الحميم أنكيدو كان جلجامش في قرارة نفسه خائفًا من حقيقة أنّه لابد من أن يموت يومًا؛ لأنّه بشرٌ، والبشرية فانيةٌ ولا خلود إلّا للآلهة بدأ جلجامش في رحلته للبحث عن الخلود والحياة الأبدية، لكن لكي يجد جلجامش سرّ الخلود عليه أن يجد الإنسان الوحيد الذي وصل إلى تحقيق الخلود وكان اسمه أوتنابشتم والذي يعتبره البعض مشابها جدّا إن لم يكن مطابقًا لشخصية نوحٍ في الأديان اليهودية والمسيحية والإسلام. وأثناء بحث جلجامش عن أوتنابشتم يلتقي بإحدى الآلهات واسمها سيدورى التي كانت آلهة النّبيذ وتقوم سيدوري بتقديم مجموعةً من النّصائح إلى جلجامش، تتلخّص في أن يستمتع جلجامش بما تبقى له من الحياة بدل أن يقضيها في البحث عن الخلود، وعليه أن يُشبع بطنه بأطيب المأكولات ويلبس أحسن الثّياب ويحاول أن يكون سعيدًا بما يملك، لكن جلجامش كان مصرًّا على سعيه في الوصول إلى أوتنابشتم لمعرفة سرّ الخلود، فتقوم سيدوري بإرسال جلجامش إلى الطوّاف أورشنبى، ليساعده في عبور بحر الأموات، ليصل إلى أوتنابشتم الإنسان الوحيد الّذي استطاع بلوغ الخلود.

عندما يجد جلجامش أوتنابشتم يبدأ الأخير بسرد قصة الطّوفان العظيم الذي حدث بأمر الآلهة، وقصة الطّوفان هنا شبيهة جدًا بقصة طوفان نوح، وقد نجا من الطّوفان أوتنابشتم وزوجته فقط، وقررت الآلهة منحهما الخلود. بعد أن لاحظ أوتنابشتم إصرار جلجاش في سعيه نحو الخلود قام بعرض فرصةٍ على جلجامش ليصبح خالدًا، إذا تمكن جلجامش من البقاء متيقّظًا دون أن يغلبه النّوم لمدة ستة أيامٍ وسبع ليالٍ فإنّه سيصل إلى الحياة الأبدية، لكن جلجامش يفشل في هذا الاختبار، إلّا أنّه ظل يلحّ على أوتنابشتم وزوجته لإيجاد طريقةٍ أخرى له كي يحصل على الخلود.

تشعر زوجة أوتنابشتم بالشّفقة على جلجامش فتدله على عشبةٍ سحريةٍ تحت البحر بإمكانها إرجاع الشباب إلى جلجامش بعد أن فشل مسعاه في الخلود، يغوص جلجامش في أعماق البحر في أرض الخلود دلمون (البحرين حاليا) ويتمكن من اقتلاع العشبة السّحرية.

عودة جلجامش إلى أورك

بعد حصول جلجامش على العشبة السّحرية يقرر أن يأخذها إلى أورك ليجربها هناك على رجلٍ طاعنٍ في السّن قبل أن يقوم هو بتناولها، لكن في طريق عودته، وعندما كان يغتسل في النّهر سرقت العشبة إحدى الأفاعي وتناولتها، فرجع جلجامش إلى أورك خالي اليدين، وفي طريق العودة يشاهد السّور العظيم الذي بناه حول أورك فيفكر في قرارة نفسه أنّ عمًلا ضخمّا كهذا السّور هو أفضل طريقةٍ ليخلد اسمه. في النّهاية تتحدّث الملحمة عن موت جلجامش وحزن أورك على وفاته.

الخلود فى فكر الإغريق [17]

عند الإغريق كانت بداية ظهور الفكر الفلسفي العقلي، والمدارس الفكرية الإغريقية كثيرةٌ، لكن أهمها فلسفة أفلاطون، فقد حاول في نظريته الشّهيرة (المُثل) إيجاد حلٍ توفيقيٍ بين فكر بارمنداس المادّي الواقعي المستقرّ غير القابل للتّغير، وفكرة هراقليطس الذي آمن أنّ كلّ شيءٍ في تغيرٍ مستمرٍ بين الأضداد حينما قال قوله المشهور: «إنّك لا تستطيع الاستحمام في نفس النّهر مرّتين».

في نظرية المثل لأفلاطون نجد تشخيصًا واضحًا لفكرة وجود النّفس (الرّوح) التّي هي أبديةٌ، والجسد الّذي هو زائلٌ. إذا هناك عالمان، عالم المثل الذي لا يتغير المستقر الأبدي، وعالم الواقع الزّائف المتعرض للتّغير والزّوال، فالجسد هو من عالم الواقع لذلك هو زائلٌ، والرّوح هي من عالم المثل لذلك هي أبديةٌ؛ لذلك تتصارع الرّوح في هذا العالم مع الجسد (القبر) كي تتحرر منه وتعود إلى أبديتها. من هنا انطلق الفكر الميتافيزيقي الإغريقي الذي أثّر على الفكر الإنساني عبر التّاريخ كلّه.

أسطورة فالهالا 

فالهالا Valhalla أو فالهول Valhöll أو قاعة المقتولين في الأساطير النّوردية هي القاعة الموجودة في العالم الآخر التّي يذهب إليها من مات في المعارك، ويعيش فيها بسعادةٍ بضيافة أودين.

وصف فالهالا

 هي مصورة كقصرٍ كبيرٍ مهيبٍ سقفه من الدّروع ويأكلون في وليمةٍ من لحم خنزيرٍ بريٍ يذبح كلّ يومٍ لهم ويعود كاملًا من جديدٍ كلّ مساءٍ، ويشربون من الخمر التي تنزل من ضرع معزاةٍ، ورياضتهم هي أن يحاربوا بعضهم كلّ يومٍ.

 اختلفت الأزمان والأماكن، لكن تبقى الأسطورة، فمصطلح الخلود اختلقه البشر للهروب من حقيقة الموت؛ لأنّهم أرادوا أن يقابلوا كلّ من تركوهم في هذه الحياة، لذلك استغلّ مدعو النّبوة نقطة ضعف البشر وخوفهم من الموت، فكان الخلود وملذات لا تنتهي هي مكافأة من يصدّق رسالتهم، والجحيم الأبدي لمن ينكرها، واختلف الوصف من زمن لآخر، فجاء حسب ما يرغب به كلّ بشرٍ في هذا الزّمن، ومهما اختلفت الأسطورة فالبشر يعتقدون أنّها حقيقةٌ للهروب من حقيقةٍ أخرى، فإذا كنت تعتقد عزيزي المؤمن أنّك شخصٌ محظوظٌ لدرجة أنّك ولدت في الزّمن الصّحيح الذي توجد فيه الأسطورة الصّحيحة والوصف الصّحيح والدّين والطّائفة الصّحيحة، فأتمنى لك التّوفيق في رحلة الوهم للهروب من الموت.


الهوامش:

[1]  ويكيبيديا، الموسوعة الحرة: «العقل».

[2]  معاجم: «خمر».

[3]  ويكيبيديا، الموسوعة الحرة: «الغريزة».

[4]  ويكيبيديا، الموسوعة الحرة: «الشخصية».

[5]  رواه التّرمذي (2545)، وصحّحه الألباني في «صحيح التّرمذي».

[6]  رواه البخاري (5873) ومسلم (7092).

[7]  [سورة الشّورى: 22.]

[8]  [سورة فصلت: 30 – 31 – 32 – 33.]

[9]  [سورة الإنسان: 13.]

[10]  [سورة الرّحمن: 58.]

[11]  [سورة الصافات: 29.]

[12]  تاريخ وآثار وحضارة مصر القديمة: «الزمن والأبدية في معتقدات المصري القديم»

[13]  تاريخ وآثار وحضارة مصر القديمة: «البعث والخلود من خلال العقيدة الشمسية»

[14]  الحوار المتمدن: «الخلود في الديانات القديمة والفكر الإغريقي»

[15]  قاشا، سهيل. أثر الكتابات البابلية في المدونات التّوراتية. بيسان للنشر والتوزيع، 1998م. (ص161).

[16]  ويكيبيديا، الموسوعة الحرة: «ملحمة جلجامش».

[17]  الحوار المتمدن. “الخلود في الديانات القديمة والفكر الإغريقي”

[18]  ويكيبيديا، الموسوعة الحرة: “فالهالا”.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

القرآن يشهد بـ صحة الإنجيل والتوراة

حجج إثبات وجود اله