محمد نبي الإسلام في دراسة حيادية
محمد نبي الإسلام في دراسة حيادية
محمد بدأ الدعوة للإسلام وانتشرت هذه الرسالة في أنحاء عديدة من العالم حتى وصل تأثيرها إلى دول غير إسلامية حيث توجد جاليات مسلمة وأقليات تعتنق الدين الإسلامي
الكثير من الناس يعرفون عنه شيء أو آخر
سأواصل معكم هذه الدراسة التي أعددتها بعد بحث معمق واستنادا إلى نصوص صحيحة من التراث الإسلامي لتقديم الأدلة والبراهين التي تدعم موضوعنا
أصل العرب وأديانهم قبل الإسلام
الحضارات التي كانت مجاورة لشبه الجزيرة العربية مثل الإمبراطورية الرومانية كانت تطلق على العرب اسم الهاجريين نسبة إلى هاجر زوجة إبراهيم وأحياناً يسمونهم السراسين وتعني باللغة الآرامية البربريين المتوحشين الذين يعيشون في الصحراء لأن العرب عاشوا في أغلب العصور السابقة للإسلام على أطلال حضاراتهم
الباحثون والمؤرخون اختلفوا حول أصل اسم العرب فالبعض يرى أنهم سُموا عرباً نسبة ليعرب ابن قحطان الذي سكن اليمن ويدّعون أنه من أحفاد نوح لكن لا يوجد أي دليل مادي أو وثيقة تاريخية تثبت وجوده
في المقابل بعض المؤرخين وجدوا وثائق سريانية قديمة يعود تاريخها لأكثر من أربعة آلاف سنة قبل الميلاد تحتوي على مصطلح أرابا أي الأرض الصحراوية الداكنة
العرب ظهروا من الإثنيات السامية وهم جزء من العرق القوقازي حسب ما أشار إليه المؤرخون وأكدت الدراسات الجينية والوراثية ذلك
عند تحليل الحمض النووي ومقارنته مع شعوب أخرى حول العالم تبين أن أصول العرب مشتركة مع اليهود والأحباش والمندائيين والأرمن والسريان والسامريين وغيرهم
بمراجعة الكروموسوم Y للساميين تبين أن أصلهم يعود لرجل واحد عاش قبل عشرة آلاف عام أطلق العلماء عليه هارون
العرب انبثقوا من القبائل السامية في بلاد الرافدين قبل أربعة آلاف عام وانتقلوا إلى شبه الجزيرة العربية التي أصبحت الموطن الأصلي لمعظم القبائل العربية
قبل ظهور محمد كانت العرب تعتنق ديانات متعددة فكان الوثنيون منتشرين وكذلك بعض القبائل المسيحية واليهودية
لا توجد أدلة على أن العرب كانوا على ملة إبراهيم فغالبهم عبد أوثاناً محلية تختلف بحسب المكان والقبيلة وكانت بعض هذه الأوثان مأخوذة من آلهة أخرى
حسب الوثائق المسيحية إبراهيم لم يزر جزيرة العرب ليترك هاجر وإسماعيل في وادٍ صحراوي بدون مؤن
من أشهر الأوثان في مكة كان هبل الذي أحضره عمرو بن لحي من الشام تقرباً لإله كنعاني، وهناك صنم رحمن وهو إله عظيم في مملكة حمير في اليمن
أول من ادعى النبوة في جزيرة العرب كان مسيلمة الكذاب المعروف برحمن اليمامة الذي ألف مصحفاً بين قومه بني حنيفة وانتشر بينهم
كتب التفسير مثل الطبري والرازي والبغوي تؤكد أن مسيلمة ادعى النبوة قبل محمد وأقوال قريش حوله وردت في سياق استهجانهم لاسمه وربطه بعبادة الرحمن
ابن كثير يذكر أن بني حنيفة الذين دعموا مسيلمة كانوا عدداً كبيراً مقارنة بالمسلمين وقد أدى القتال إلى مذبحة عظيمة استشهد خلالها كثير من حملة القرآن
جزيرة العرب كانت مليئة بالكعبات والأصنام قبل الإسلام مثل كعبة ذو الخلصة وقبائل مثل دوس وبجيلة وخثعم وأزد السراة وبنو الحارث بن كعب وغيرها كانت تعبد هذه الكعبات
اختيار محمد لكعبة قريش بدل قبلة أخرى يثير تساؤلات حول سبب تفضيل هذا الوثن الأسود المرصوص بالحجارة الذي كان يمثل صنم قبيلته
البحث أثبت وجود أكثر من عشرين كعبة أخرى لدى العرب في مناطق مختلفة مثل كعبة رئام لأهل حمير وكعبة أياد بين البصرة والكوفة وذو الكعبات لبكر وتغلب وكعبة رضاء لبني ربيعة وكعبة سقام ووادي حراض وكعبة نجران وبيت الربة للثقيف
هذا يوضح أن الإسلام بني على أساس من الوثنية وأضيفت عليه بعض الأساطير اليهودية
قصة بناء الكعبة من إبراهيم محل شك فحسب المؤرخين والمسيحيين لم يزر إبراهيم جزيرة العرب والكعبة الحالية في مكة كانت من أوثان قريش ولم تكن مكان عبادة إبراهيم
ولادة محمد ونسبه
محمد وُلِد في مكة وهناك خلاف بين المؤرخين حول سنة ميلاده والأرجح أنها كانت 571 ميلادية ووالدته آمنة وقد اختلفت الروايات حول اسمه فبعضهم يقول قثم أو قثامة لأن العرب في ذلك العصر لم تكن تسمّي بمحمد إلا بعد النبوة أو بعد الهجرة إلى يثرب
أما اسم أبيه فقد اختلفت الروايات فبعضها يقول عبد اللات نسبة لإله من آلهة قريش والبعض الآخر يقول عبد الله بسبب وجود صنم في قريش يسمى بالله وهو إله القمر مشوه الملامح
كان لمحمد ارتباط قوي بيثرب فجدّه عبد المطلب وُلِد وتربى هناك وأمه آمنة من بني النجار ولهذا كان لأخواله مكانة في المدينة
تتناقل المصادر اختلافاً حول مدة حمل آمنة فبعضها تقول أربع سنوات بينما بعضها الآخر تقول مدة طبيعية وكانت الرواية الأشهر أن عبد المطلب خطب ابنته آمنة وابنه عبد الله في مجلس واحد مع زواج ابنه من هالة بنت وهيب فكانت النتيجة ولادة محمد وحمزة وكان حمزة أكبر من محمد ببضع سنوات
المصادر تتباين في عمر حمزة عند مقتله بين 54 و59 سنة بما يجعل محمد أصغر منه ببضع سنوات وبعض العلماء قبلوا رواية الحمل الطويلة حتى أربع سنوات
قريش كانت تستهزئ بمحمد وتسخر من نسبه وتطلق عليه لقب غلام بني عبد المطلب في إشارة لجهلهم بأصله
التفسير القرطبي يذكر أن العرب كانوا يعبدون نجوم مثل الشعرى وأن النبي كان يُعاير بهذا لأنه كان نسبه مجهولاً أو مخالفاً لعادات العرب
روايات متعددة تؤكد أن أول من أسلم من الشباب كان علي بن أبي طالب أو زيد بن حارثة وأن كفار قريش كانوا ينكرون نسبه ويشيرون إليه بأنه غلام بني عبد المطلب
أمه آمنة بحسب المصادر حملت به بطريقة استثنائية وقالت إنه لم يكن حملها أخف منها قط وقد أظهرت رؤيا أنه خرج منها نور
كما أرسلت أمه محمد إلى أقل المرضعات وأفقرهن رغم مكانتها وعلاقات أسرتها الرفيعة وبعض الروايات تذكر حزن محمد على أمه وزيارته قبرها وبكاؤه وعدم استجابة ربه لدعائه بالاستغفار لها حسب المستدرك
كل هذه الروايات توضح الغموض والاختلاف حول نسب محمد وظروف ولادته ونشأته كما ورد في المصادر الإسلامية المختلفة
حياة محمد حتى زواجه بخديجة
بعد وفاة أمه آمنة، تولى جده عبد المطلب رعايته، ثم جاء دوره عمه أبو طالب. حياة النبي قبل بعثته وحتى زواجه من خديجة ونزول الوحي غير موثقة بدقة، وهذا ما يجعل بعض الباحثين يثيرون تساؤلات عن سبب الغموض حول أربعين سنة من حياته، هل كان ذلك طبيعيًا أم محاولة لإخفاء بعض الحقائق؟
يشير الباحثون إلى أن محمد كان يعاني من النبذ الاجتماعي في صغره، إذ لم تُذكر له صداقات أو علاقات قوية قبل النبوة، وحتى مسألة الزواج كانت صعبة عليه. فقد رفضت قريش تزويجه، ولم يقدر حتى على الزواج من ابنة عمه بسبب اعتراض عمه ومعايرته كما جاء في الحديث الصحيح من كتاب “معرفة الخلفاء” رقم 6924:
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الأَصْبَهَانِيُّ ، ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ ، ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : وَفِيمَا ذُكِرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ إِلَى عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ أُمَّ هَانِئٍ ، قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ ، وَخَطَبَهَا مَعَهُ هُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ ، فَزَوَّجَهَا هُبَيْرَةَ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ : ” يَا عَمُّ ، زَوَّجْتَ هُبَيْرَةَ وَتَرَكْتَنِي ” ، فَقَالَ : يَا ابْنَ أَخِي ، أَنَا صَاهَرْتُ إِلَيْهِمْ ، وَالْكَرِيمُ يُكَافِئُ الْكَرِيمَ ، ثُمَّ أَسْلَمَتْ فَفَرَّقَ الإِسْلامُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ هُبَيْرَةَ ، فَخَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ إِلَى نَفْسِهَا ، فَقَالَتْ : وَاللَّهِ إِنِّي كُنْتُ لأُحِبُّكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَكَيْفَ فِي الإِسْلامِ ! لَكِنِّي امْرَأَةٌ مُصْبِيَةٌ ، فَأَكْرَهُ أَنْ يُؤْذُوكَ.
ورغم ذلك، تمكن محمد من كسب حب الناس وأصبح محط احترامهم، كما يظهر في حادثة الحجر الأسود.
ومن الأمور الملفتة أن محمد لم يتزوج حتى بلغ الخامسة والعشرين، وهو أمر غير مألوف في مجتمع العرب آنذاك، ما يدل على نبوذه الاجتماعي. زواجه من خديجة، امرأة أرملة ومطلقة تكبره بكثير ولديها أولاد، لم يتم إلا بعد جهد كبير، إذ لم يوافق والدها إلا بعد أن صارت حالة من السُكر المؤقت، كما ذكرت الأسانيد في مسند الإمام أحمد والبيهقي والطبراني:
2770 حدثنا أبو كامل ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن عمار بن أبى عمار ، عن ابن عباس – فيما يحسب حماد – : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ” ذكر خديجة ، وكان أبوها يرغب أن يزوجه ” ، فصنعت طعاما وشرابا ، فدعت أباها ونفرا من قريش ، فطعموا وشربوا حتى ثملوا ، فقالت خديجة لأبيها : إن محمد بن عبد الله يخطبني ، فزوجني إياه . فزوجها إياه فخلعته وألبسته حلة ، وكذلك كانوا يفعلون بالآباء ، فلما سري عنه سكره ، نظر فإذا هو مخلق وعليه حلة ، فقال : ما شأني ، ما هذا ؟ قالت : زوجتني محمد بن عبد الله . قال : أنا أزوج يتيم أبي طالب لا ، لعمري . فقالت خديجة : أما تستحي تريد أن تسفه نفسك عند قريش ؟ تخبر الناس أنك كنت سكران ؟ فلم تزل به حتى رضي.
بعد الزواج، آوت خديجة محمد وأنفقت عليه، ما مكنه من ممارسة التجارة والاستفادة من أموالها، وهذا ما أكده القرآن في قوله: (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى) [سورة الضحى: 8]، حيث يفسر العائل بأنه الفقير، ويظهر الفرق بين الفقر والغنى، وأن الله أغناه بعد أن كان محتاجًا.
كما استفادت خديجة من محمد ووضعته على رأس تجارتها، مما أتاح له السفر خارج الجزيرة العربية، ورؤية حضارة الروم في الشام، الأمر الذي أثر فيه وجعله يطمح لتوحيد العرب تحت دين واحد وإقامة حضارة قوية.
أما مسألة أميته، فهناك أدلة واضحة على قدراته في الكتابة، فقد طلب النبي في مناسبات عدة كتابة وثائق رسمية، كما جاء عن عائشة وابن عباس:
عن عائشة قالت: لما ثقل رسول الله قال لعبد الرحمن بن أبي بكر (ائتني بكتف أو لوح حتى أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه أحد) [السيرة لابن كثير 1/452]
عن ابن عباس قال: لما حضر رسول الله وفي البيت رجال فقال النبي هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده… [البخاري 4078، 4079، مسلم ج2 ص16]
كما يظهر ذلك في قضية أعتمر النبي في ذي القعدة، حين كتب الحكم الرسمي الذي قضاه، مؤكدًا على سلطته وقدرته على التوثيق، رغم ادعاء البعض أميته.
ادعاءه النبوة
كان محمد يتميز بالفطنة والذكاء الحاد، لكنه كان يحتاج لمن يسانده في تأسيس الدين الجديد الذي أراد إرساءه، ومن هنا كانت العلاقة مع ورقة بن نوفل، الراهب المسيحي وابن عم زوجته خديجة، مهمة جدًا. لم تكن الآيات الأولى من القرآن نتيجة جهد محمد وحده، بل استغرق سنوات من التخطيط بمساعدة ورقة بن نوفل لوضع أساس الدين الجديد.
قد ينكر المسلمون أي دور لورقة في صياغة القرآن، لكن ما يلفت الانتباه هو تغير أسلوب القرآن بعد وفاة ورقة، مما يثير التساؤلات حول تأثيره في البداية. وقد ورد في صحيح البخاري (4953) عن عائشة أن النبي أطلع ورقة على ما رآه، فقال له ورقة: "إِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ حَيًّا أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا"، ثم تُوفي ورقة، وفتر الوحي بعد ذلك. وهذا قد يُفسّر، بحسب بعض التقديرات، تدخل ورقة في تحديد نمط الوحي في بداياته.
لاحقًا، بدأ محمد بصياغة الصفحات الأولى لمصحفه الذي صار يسمى القرآن، وادعى النبوة في القصة المشهورة عن لقاء جبريل بأجنحته وهو معلق بين السماء والأرض، وحدث ذلك في عام 610م. وقد روى البخاري عن عائشة ما يلي:
(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنِّهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا)
كما يذكر فتح الباري من صحيح البخاري، أن النبي مرّ بفترات انقطاع الوحي التي أثرت عليه نفسيًا، حتى وصل به الأمر إلى محاولة الانتحار من قمم الجبال، غير أن جبريل كان يظهر له في كل مرة ليطمئنه ويثبت قلبه.
هذه الأحاديث تشير إلى وجود أعراض نفسية أو ربما صرع صدغي، مثل التعرق الشديد ورؤية كائنات مجنحة، وسماع أصوات كالجرس، مع عدم إمكانية الجزم بطبيعة هذه الحالات، فقد تكون حقيقية أو أن النبي استغلها لتأسيس الدين.
خديجة كانت تتعامل بحكمة مع هذه الأمور، واحتوت النبي وساندته، كما جاء في كتاب الروض الأنف للسهيلي ص383:
قال ابن إسحاق: روى إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير عن خديجة رضي الله عنها أنها سألت النبي: "أي ابن عم، أتستطيع أن تخبرني عن صاحبك هذا الذي يأتيك؟" فقال لها: نعم. فسألته: "إذا جاءك فأخبرني به". فجاءه جبريل كما كان يصنع، فقال لها النبي: "يا خديجة هذا جبريل قد جاءني"، فأمرت أن يجلس على فخذها، وتأكّد من رؤيته لجبريل، وقالت: "فوالله إنه لملك وما هذا بشيطان".
وفي صحيح البخاري عن فضائل الصحابة، باب فضل عائشة، رُوي أن النبي قال: "وما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها"، في إشارة إلى أنه لم ينزل عليه الوحي وهو محتضن غير عائشة.
على الرغم من الشبهات حول كيفية نزول الوحي، استمر محمد في دعوته 13 سنة في مكة التي كان تعداد سكانها يزيد عن عشرة آلاف نسمة، ولم يؤمن به إلا حوالي 90 شخصًا، أغلبهم من العبيد والمستضعفين، بينما رفض أقرباؤه مثل أبو لهب وأبو الحكم التصديق به، رغم وقوف بني هاشم معه في محنته.
حتى ابنته زينب لم تؤمن بنبوته في البداية، وكذلك عائشة، كما ورد في مسند أبي يعلى الموصلي (4/322)، حيث تروى عن الحوادث المرتبطة بنقل المتاع بين بعيرها وبعير صفية، وظهور شكوك عائشة حول نبوته.
محمد دعا الناس لعبادة إله سماه "الله"، وهو اشتقاق من الإله الكنعاني "إيل"، الموجود أيضًا بين العرب، وكان صنمًا صغيرًا داخل الكعبة، وادعى أنه رسول "الإل" كما فعل مسلمة. وقد أشار بعض مفسري الإسلام أن كلمة "إل" هي الآلهة بالعبرانية، ويضاف إليها أسماء الملائكة مثل "جبرائيل" و"ميكائيل" و"إسرافيل"، كما يوضح ابن كثير والطبري في تفسيرهما.
كما تشير بعض المصادر إلى أن محمد نفسه سجد للإله هبل عند عرض قومه عليه، كما ذكرت رواية البخاري ج6/ص52، وأن الله أنزل عليه قوله:
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
وتُبيّن الروايات أن النبي عندما قرأ سورة "النجم" وذكر اللات والعزى ومناة، ألقى الشيطان على لسانه كلامًا خاطئًا، فسجد النبي ومن معه، حتى نسخ الله ما ألقاه الشيطان وأحكم آياته
الهروب إلى يثرب وبداية الحرب
بعد أن لاحظ محمد رفض قومه لنبوته ونفورهم رغم مرور أكثر من عشرة أعوام على دعوته، وضع خطة للهجرة إلى يثرب، وكانت هذه الخطوة استراتيجية محكمة لاختيار المدينة نفسها. يثرب كانت مدينة مضطربة بسبب الصراع الطويل بين قبيلتي الأوس والخزرج الذي امتد أكثر من 150 سنة، وأسفرت الحروب عن فقدان الكثير من قادتهم، لكنها أيضًا أكسبتهم خبرة عسكرية واسعة جعلتهم يُلقبون بـ"أهل الحرب".
إضافة إلى ذلك، كان لمحمد صلة قوية بأهل يثرب، إذ أن أخوال جده الذين ربوهم واعتنوا به كانوا هناك، ما جعل الناس يستقبلونه بترحاب. ومع وجود اليهود المنتشرين حول المدينة، الذين تفاخروا بمعرفتهم بالكتب السماوية والأنبياء، استفاد محمد من هذا الوضع فآخى بين الأوس والخزرج وكسب محبتهم، ونصبوه قائدًا عليهم لحاجتهم إليه، مستفيدًا في الوقت ذاته من خبرتهم العسكرية.
ومن الجوانب الغريبة في المؤاخاة، أنها شملت تطليق رجال يثرب لزوجاتهم لتزويجهن للمهاجرين، ما يعكس أن النساء لم يكن لهن الحق في اختيار أزواجهن، وكان يُنظر إليهن كوسائل لتحقيق التحالفات.
استقر محمد في يثرب بعد انضمام حلفاء له، واستغل الموقع الاستراتيجي للمدينة لقطع الإمدادات التجارية عن مكة، بهدف إضعافها اقتصاديًا، إذ تقع يثرب على الطريق المؤدي إلى الشام من مكة. وبما أن المسلمين الجدد لم يمتلكوا موارد اقتصادية مستقرة، فقد اعتمدوا على الغزو وسرقة القوافل وأسر النساء.
لهذا كان محمد حريصًا على ضم الصعاليك، وهم مجرمون وطائشون عزلتهم قبائلهم، يمارسون القرصنة وسرقة القوافل، فاستقطبهم بالوعد بالغفران والجنة، كما جاء في حديث ابن حيوية بإسناد حسن رقم 22:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: كُنْتُ فِي عِصَابَةٍ مِنْ ضُعَفَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، وَفِيهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ: "أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ صَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ نُورٍ تَامٍّ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَاءِ الْمُؤْمِنِينَ بِنِصْفِ يَوْمٍ، وَذَلِكَ خَمْسُ مِائَةِ سَنَةٍ".
تحالف محمد أيضًا مع قبيلة غفار، المعروفة بقطع الطرق ومهاجمة القوافل، وشاركوا في هجوم على قافلة أبي سفيان، الذي استطاع الفرار وطلب مساعدة قريش، فتقابل الجيشان في معركة بدر، وكانت نقطة فاصلة، إذ قاد محمد حوالي 300 مقاتلًا ضد ألف من قريش، وانتهت المعركة بمقتل 70 قرشيًا من بينهم عمرو ابن هشام.
رغم ذلك، طلب محمد مساعدة ربه وفق ما جاء في القرآن:
{إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين}
ثم جاء وعد الله بالمزيد من الدعم:
(إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ)
حتى تدخل الله نفسه كما جاء:
(فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)
ورغم هذا الدعم، لم يمت من قريش سوى 70 شخصًا، بينما تم أسر الكثير منهم، وفدوا أهاليهم بالأموال، ومن بين هؤلاء كان زوج ابنته زينب، الذي افتدته بقلادة ورثتها عن أمها كما ورد في إرواء الغليل 5/43 بإسناد حسن.
يزيد الأمر تعقيدًا، إذ لم تؤمن زينب برسالة أبيها فعليًا، واستطاعت أن تنقذ زوجها المشرك. وهذا يتناقض مع ما جاء في قوله تعالى:
(الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)
بعد بدر، تعرض محمد لهزيمة في أحد، وشقّت شفتاه وخلع ضرسه، أمام التفوق العسكري لقريش بقيادة خالد بن الوليد.
عندما رسخ محمد دولته، بدأ بالتحرش باليهود وسلب ممتلكاتهم بزعم تآمرهم ضده، كما حدث مع بنو قينقاع والنضير وبنو قريظة، حيث تم طردهم وإبادة رجالهم وشبابهم، وسبي النساء والأطفال، واستغلال منازلهم لإسكان الصعاليك وقطاع الطرق لتعزيز قوته العسكرية، ما يشير إلى استخدام العنف والنهب كأساس لفرض النفوذ والاقتصاد
محمد والنساء
الاغتيالات واحتلال مكة
اغتيال كعب بن الأشرف
محمد أراد التخلص من المعارضين الذين كانوا يفضحونه أمام قومه ويحرّضونهم ضده، ومن أبرزهم كعب بن الأشرف، شاعر يهودي من مكة اشتهر بتهجئه للنبي وانتقاده له بصراحة. ورد في صحيح البخاري (3811) أنّ النبي أمر بقتله لأنه سبب أذية الله ورسوله. فقام محمد بن مسلمة بالتخطيط لعملية دقيقة: اقتحم بيت كعب ليلاً مع اثنين من الصحابة، مستغلين الظلام لتأمين العملية. وبعد استئذان النبي لتنفيذ الأمر، تم اغتياله. وبعد انتهاء العملية، أبلغوا النبي بما حصل، وأقرّها.
اغتيال عصماء بنت مروان
عصماء بنت مروان، من بني أمية، كانت تنتقد الإسلام وتنظم الشعر ضده. وفق كتاب "الطبقات الكبرى" وابن هشام، دخل عمير بن عدي بيتها ليلاً برفقة عدد من الصحابة، وقتلها أثناء نومها مع ابنها الرضيع. تم إبعاد ابنها عن العملية لضمان سلامته، وتم استخدام السيف لإتمام القتل. بعد العملية، أبلغ عمير النبي بما حدث، فأكد له أنه لا شيء عليه وقال: "لا ينتطح فيها عنزان".
قتل أم قرفة وابنها
أم قرفة، فاطمة بنت زمعة، كانت معارضة للنبي ولدينه الجديد. بحسب ابن كثير في "البداية والنهاية"، أمر زيد بن حارثة بقتلها بطريقة وحشية: ربطت من قدميها وسحبت حتى فتق جسدها أمام الناس. كما تم توزيع أفراد عائلتها وفق عادات العرب في التعامل مع الأسرى، حيث سلمت ابنتها لسلمة بن الأكوع كجزء من مكافآت الغنائم.
فتح مكة والسيطرة على المدينة
في عام 630م، دخل النبي محمد مكة مع جيش يزيد عن عشرة آلاف مقاتل، معظمهم من القبائل المتحالفة معه. دخلوا المدينة بعد مناوشات محدودة، ولم يُجبر أهل مكة على دفع الجزية أو اعتناق الإسلام بالقوة، بل اكتفى النبي بإقرار سلطته السياسية والأمنية. ومع ذلك، تم تدمير أوثان الكعبة والمقدسات المحيطة بها، بما يعكس موقفه من عبادة الأصنام.
قتل ابن خطل
ابن خطل كان من المعارضين الذين حاولوا مقاومة دخول مكة. وفق الروايات في الصحيحين وواقدي، كان متعلقًا بستار الكعبة عند صدور الأمر بقتله، وتم تنفيذ العقوبة أمام الناس مباشرة. الروايات تشير إلى أن هذا التنفيذ كان جزءًا من الإجراءات الأمنية والسياسية لضمان السيطرة على المعارضين.
السياق العام
كل هذه الأحداث جرت في بيئة شبه الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي، حيث كانت الحروب والاغتيالات والسيطرة على القبائل جزءًا من السياسة المتبعة. استخدام القوة كان وسيلة رئيسية لضمان النفوذ والاستقرار الاجتماعي والسياسي، كما يظهر جليًا في كل الوقائع المذكورة أعلاه.
موته والأحداث التي تبعت ذلك
سبب وفاة محمد
الكثير من الناس اليوم يعتقدون أن وفاة النبي محمد كانت طبيعية، لكن الأحاديث الصحيحة تشير إلى أن موته كان بسبب تسمم. فقد ورد في “الصحيحين” عن أنس رضي الله عنه أنّ امرأة يهودية قدمت للنبي شاة مسمومة، فأكل منها، وعندما تم سؤالها عن السبب، قالت: أرادت قتله. فقال النبي: "ما كان الله ليُسَلِّطَكِ على ذلك"، وعندما سأل الصحابة إذا كان يجب قتلها، أجاب: "لا"، وأبقوها عند النبي.
وعن عائشة رضي الله عنها، روت أنّ النبي كان يقول في مرضه الأخير: "يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهرى من ذلك السم". وروى ابن السني وأبو نعيم أنّ النبي قال: "ما زالت أكلة خيبر تعاودني كل عام، حتى كان هذا أوان قطع أبهرى"، وقد صححه الألباني في "صحيح الجامع".
يتضح من هذه الأحاديث أن تسمم النبي كان عاملاً في مرضه ووفاته، لكن ليس بالضرورة أن تكون المرأة اليهودية من سمّته فعليًا؛ فالتسمم حصل قبل أربع سنوات من وفاته، ومنطقياً لا يمكن أن يظل السم قاتلاً بعد كل هذه السنوات، مما يشير إلى احتمال وجود سبب آخر أو شخص آخر مسؤول عن وفاته.
محاولة كتابة وصية النبي قبل وفاته
قبل وفاته بأيام، حاول النبي كتابة وصية لأصحابه، كما جاء في صحيح البخاري (6932) عن ابن عباس: عندما حضر النبي المرض الأخير، كان يريد كتابة كتاب ينقذ الأمة من الضلال بعده، لكن عمر بن الخطاب ثار وأوقفه، مما أثار لغطًا وخلافًا بين الصحابة وأقارب النبي، وأجبر النبي على طردهم. يظهر هذا الحديث أن هناك توترًا سياسيًا حول مستقبل الأمة والخلافة بعد النبي، وقد يرتبط ذلك بمحاولة تسميمه أو التدابير الأمنية المتخذة حول وفاته.
الخلافة بعد وفاة النبي
مات النبي في عام 632م عن عمر يناهز 63 عامًا، وبكى بعض الناس على وفاته. في نفس اليوم، بدأت الخلافة تصبح موضوع نزاع بين الصحابة. وفق صحيح البخاري، اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة ورشحوا سعد بن عبادة لخلافة النبي، بينما ذهب كبار المهاجرين (أبو بكر، عمر، وأبو عبيدة) للمطالبة بأحقية القرشيين في الخلافة. دار حوار حاد بين الفريقين، وظهرت اشتباكات لفظية بينهما.
روى البخاري (6830) عن ابن عباس وعمر أنّ هناك خلافًا شديدًا حول من يتولى الخلافة، وعمر كان يخشى وقوع الفساد إذا تركوا الناس يبايعون أحدًا دون اتفاق. الطبري في تاريخه يؤكد أن المبايعة كانت محل جدل كبير، حتى أن عليًا وبعض الصحابة الآخرين (أبي ذر، الزبير، عمار) اعتزلوا النزاع في بيت علي احتجاجًا على ما يجري.
الدفن وما بعده
وفقا للطبقات الكبرى لابن سعد (2150) والمنتظم لابن الجوزي، لم يُدفن النبي على الفور بعد وفاته، بل انتظر الصحابة فترة، حيث ظهر أن جسده تعفن بعض الشيء، مما يظهر الانشغال بالصراع على الخلافة أكثر من الاهتمام بالدفن.
بعد وفاة النبي، ارتدت بعض القبائل العربية عن الإسلام، وهو ما أشار إلى أن اعتقادهم بالدين كان ضعيفًا، وأن الخضوع كان خوفًا من القتل والاضطهاد.
حروب الردة وتوحيد القبائل
بعد وفاة النبي، ظهرت حركات نبوة مزيفة مثل مسيلمة الكذاب في بني حنيفة والأسود العنسي، مما أدى إلى حرب الردة التي قادها أبو بكر لإعادة القبائل إلى الإسلام، وسفك خلالها دماء الآلاف وسبي نسائهم ونهب ممتلكاتهم. بعد توحيد العرب، أصبحوا قوة عسكرية قوية، واستغلوا ضعف الإمبراطوريتين البيزنطية والساسانية للسيطرة على الشام وشمال إفريقيا، ونشروا الدين الإسلامي إما بالحرب أو دفع الجزية أو الخضوع
أرجوا أن تكونوا استمتعتم بهذه الصفحة من مدونتي، خاصة أنها ذكرت تفاصيل دقيقة عن تاريخ محمد قد لا يعرفها الكثير من المسلمين، ومن يملك العقل الراجح دون التمسك بحمية ومعتقد آباءه لن يشك بلحظة أن هذا دين وحشي قاعدته القتل والسفك وإراقة الدماء وترويع الآمنين.
تعليقات
إرسال تعليق