استشكاليات دهرية
#استشكاليات_دهرية:
وإن كنتم في ريبٍ مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورةٍ من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين* فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين
أصغر سورة هي سورة الكوثر وهي ثلاث آيات، هذا يعني أصغر درجات التحدي هو ثلاث آيات.
♦️ ذهب البعض على أن القرآن معجز من حيث اللغة (فصاحةً وبلاغةً) خالي تماما من العيوب والنواقص، بلغ الكمال في بيانه، ولا يمكن مجاراته لا الآن ولا فيما بعد.
♦️إلى أن هذا الإدعاء لم يسلم من المعارضة، حيث هناك من ادعى أنه جاء بمثله كأمية بن أبي الصلت، وهناك من ادعى أنه أوحي إليه كما أوحي لمحمد كعبد الله بن أبي بن السرح، بل المشركون عموما كما نقل القرآن ادعوا بأنهم قادرين على أن يأتوا بمثله
لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا ۙ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ
♦️ في حين رد البعض وقال، هذا مجرد دعوى، ولم يصلنا منها تحقيقها فنحكم، ومشركوا قريش زعموا وإنهم لكاذبون، وإن هذا معلوم لديهم ولدى العرب بداهةً أنه معجز.
♦️إلا أن هذا الرد لم يخلوا من الإعتراضات، فقد استشكل بعض الدهرية على وجوه، الأول إن قراءة التاريخ ناقصة ولا يمكن القطع بهذه الدعوى، ولا يمتنع إن المسلمين قد أخفوا كثير من الأخبار لمصلحة خاصة لأنهم هم كتبة تاريخهم،
ثم إنه غير ممتنع أن قريش رؤوا هذا التحدي من السفه إجابته، لمَ عُلم بطلانه وسخفه بداهةً عندهم، فليس من الحكمة أن يُجاب كل دعي إلى تحديه، خاصة إذا ظهر سخف البضاعة التي تحدى بها.
♦️وأضاف الدهرية إلى ما سبق، أنهم عجزوا أن يثبتوا حالة إسلام واحدة صريحة لعربي بسبب أنه أقر بأن القرآن معجز، بل إنكار ابن مسعود للمعوذتين وقوله أنهما دعاء، دلالة واضحة أنه لم يفرق بين قرآن وبين كلام البشر، لعدم بداهة الإعجاز اللغوي كما يدعي البعض.
♦️ موافقات عمر لربه في الوحي قبل النزول، يدل على أن عمر على الأقل قد أتى بثلاث آيات قبل نزولها، نذكر منها:
نزلت هذه الآية: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ} إلَى قوله: {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} فلما نزلت قلت أَنا: {تبارك الله أحسن الخالقين} فنزلت: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}
ط، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر، وهو صحيح
المصدر: الجامع الكبير للسيوطي
(عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن)فنزلت كذلك.
لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى ، فَنَزَلَتْ: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى )
صحيح البخاري
♦️ الإختلاف بين القرآءات العشر زيادةً أو نقصان يتنافى مع تعريف الكمال المطلق للآيات، وأيضا قصة عمر في البخاري حين صلى خلف هشام الصحابي فقرأ الفرقان على غير الحرف الذي يقرأ عليه عمر، فغضب واقتاده للرسول للتحقق، فلماذا لم يعلم عمر ببداهة الإعجاز اللغوي أن ما يقرأه هشام لا يكون من بشر؟
♦️وزاد الدهرية في استشكالهم فقالوا، لا يمتنع أن القبائل العربية تتمايز بين بعضها البعض في الفصاحة، ثم تتمايز القبيلة الواحدة بين عشائرها، ثم تتمايز العشيرة الواحدة ضمن أفخاذها، ثم تتمايز ضمن عوائلها، ثم تتمايز العائلة الواحدة ضمن أفرادها، فيكون هناك أفضل فصيح بين العرب قد تغلب على كل العرب، فما يمنع أن محمد بن عبد الله كان أقدرهم في اللغة؟ خاصة وإنه أوتي جوامع الكلم كما ينص عليه المسلمون، أفيكون هذا معجز؟ فهناك أفضل لاعب شطرنج، وأفضل ماهر في الحسابات، وأفضل ملاكم، وبرامج المواهب وسجلات غينيس فيها من التفوق على العالم في بعض الأمور ما عجز آخرون عن كسره، فهل التفوق في الأمور التي يتفاضل فيها البشر، مدعاة للنبوة ومعجزة؟
♦️ كما أن الدهري أبا العلاء المعري، قد كتب كتابا وزعم أنه لا يقدر أحد على مضاهاته وأن يأتي بمثله، ورفض أن يقارن كتابه بالقرآن لوجود الفارق الكبير في القيمة من وجهة نظره.
♦️إلا أن دعواه هذه لم تسلم من الإعتراض، فقال بعض: ما عجز عنه الأولون لن يقدر عليه المتأخرون من باب أولى.
إلا أن دعوى أنهم عجزوا يعود بنا إلى النقطة الأولى التي بدأنا منها المقال.
♦️ لم يتفق اللغوييون والنحويون على إعجاز القرآن ولا حتى كثير من الأصوليين، وخاصة من المعتزلة والأشعرية، فقد قال مثلا الفخر الرازي، من المكابرة أن ندعي ذلك.
فذهبوا إلى القول بالصرفة، أي أن البشر يأتون بمثله من حيث الطبع البشري، ولكن الله منعهم.
♦️ إلا أن القول بالصرفة، تأويل واضح، لا برهان تاريخي ولا نصي عليه، عدى ما فائدة التحدي إذا كان الله قد منعهم أصلا من المشاركة في هذا التحدي؟
وقولهم إن البشر يأتون بمثله من حيث القدرة، يعني أنه ليس بمعجز من باب، وغير ممتنع أن يكون هناك ما هو أفضل منه من باب ثاني.
♦️ إلى أن آخرون يرون بأن المراد بمثله، أي أخبار الأولين، ويشير إلى ذلك فهم المشركين نفسهم حين قالوا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا اساطير الأولين، وإنّ دعوى الإعجاز اللغوي ظهرت متأخرة جدا.

تعليقات
إرسال تعليق